راسم بدران: المعماري الذي حاور المكان

ليست عمارة راسم بدران تكرارًا للتراث، بل إعادة تأويل حيّ له داخل لغة معاصرة تستجيب للسياق والمكان.
رغم استعارته من العمارة العربية الإسلامية التاريخية، إلا أن طابع العمارة لدى المعماري الأردني راسم بدران لا يتوقف عند حدود الاقتباس من التراث أو تقليده، إنما كان له موقف خاص منه يقوم على أساس التطوير والتأويل مع السعي الدائم للتوفيق بينه وبين عمارة الحداثة التي درسها في الغرب وتبنى مبادئها وأسسها. إن التواصل مع التراث عند بدران هو تفاعل حي مع كل أشكاله المادية ومضامينه المعنوية، يعيد صياغتها ضمن نسيج معماري يمزج الماضي والحاضر في وحدة متكاملة. والقاعدة الراسخة لديه أن يكون العمل المعماري منسجمًا مع السياق المحيط دون انفصال أو تناقض، بل يشكل امتدادًا له وتكملة لقيمه ومبادئه وعناصره، شاملًا بذلك المعطيات والمحددات الثقافية والبيئية والجغرافية، وحتى التجارب النفسية والحسية والبصرية.
وُلِد راسم بدران في القدس عام 1945، ونشأ في بيئة فنية فقد كان والده جمال بدران (1909–1999) من الحرفيين المعروفين في فلسطين، حيث تلقى تعليمه في الفنون التطبيقية في مصر، وحصل أواسط الثلاثينيات على الماجستير في الفن الإسلامي من بريطانيا، ثم كان من روّاد الحركة الفنية الفلسطينية التي بدأت بالازدهار آنذاك. وقد أوكلت إليه مهمة ترميم منبر صلاح الدين بعد الحريق الذي أصاب المسجد الأقصى عام 1969.
في طفولته، كان راسم يرتاد محترف والده في بيت عثماني قديم بحيّ «بطن الهوى» في رام الله، وهناك تشكل وعيه الفني الأول. لاحقًا، سافر إلى ألمانيا لدراسة هندسة العمارة. ولتفوقه دراسيًا أُسند إليه تصميم بعض المرافق الخاصة في الملاعب الأولمبية في أولمبياد ميونيخ عام 1972. وعند عودته إلى الأردن في العام نفسه أحدث نقلة نوعية في اتجاهات التصاميم المعمارية، مقدّمًا أسلوبًا يدمج بين التقليدي والحداثي، فاتّسمت أعماله بأناقة التصاميم المعمارية الحديثة مع الحفاظ على الخصوصيات الاجتماعية والثقافية، ومنها ما يعرضه هذا التقرير عن بعض أبرز مشاريعه في الأردن.
عمّان مول: الجمع بين الاستهلاك والهويّة
مع بداية الألفية الجديدة افتتح في عمّان أول «مول» تجاري وسط توجه عام لمواكبة «التطور» والتحديث والتكنولوجيا ومحاكاة أنماط الاستهلاك الغربية، وعلى رأسها نموذج المول التجاري الذي ارتبط تطويره -منذ منتصف القرن العشرين- بالسياق الأمريكي مع صعود ثقافة الضواحي والسيارات ونشوء مراكز تسوق بعيدة عن مراكز المدن في الولايات المتحدة. لاحقًا، انتشر هذا النموذج بشكل خاص في دول الخليج، وكان «عمّان مول» أول تجربة من هذا النوع في الأردن، ما جعل تصميمه تحديًا من حيث الهوية والطابع الذي يمكن إضفاؤه عليه.
أُسندت مهمة التصميم إلى راسم بدران، وقد مثّل المشروع تحديًا له في كيفية التوفيق بين النموذج الاستهلاكي المعولم للمولات من جهة والتأكيد -من جهة أخرى- على الهوية والثقافة المحلية التي تميز غالبية أعماله. في الواجهات الخارجية استخدم بدران العقود قليلة الانحناء، في محاكاة لعنصر العقد أحد أبرز السمات المميزة للعمارة الإسلامية وعمارة العصور الوسطى، حيث كانت العقود تجمع بين الوظيفة الإنشائية في زيادة قوة السقف والجمالية عبر كسر رتابة الخطوط المستقيمة. ورغم أن هذا الشكل من العقود -كما استخدمه بدران هنا- لا يُوجد تحديدًا في النماذج التاريخية للعمارة الإسلامية، إلا أنه أراد تقديم نموذجٍ تجريديّ ومحاكاةٍ معاصرة لا استحضارًا حرفيًا، بحيث يكون التصميم خفيفًا لا يطغى على الواجهة، ومتناسبًا مع طبيعة المبنى كمركز تسوق حديث دون أن يبدو وكأنه مبنى ديني أو تاريخي. وبهذا، سعى إلى ترسيخ ارتباط الهوية بالمكان، انطلاقًا من اعتبار عمّان مدينة ذات هوية عربية إسلامية، وهي فكرة كانت قد سيطرت في الفضاء الثقافي العمّاني مطلع الألفية تزامنًا مع إعلان عمّان عاصمة للثقافة العربية عام 2002.

داخل المول، أدخل بدران عناصر مستوحاة من العمارة الإسلامية، مثل المشربيّة الخشبية المزخرفة بنقوش الأرابيسك، وإن بشكل مجرّد كواجهة مستوية دون بروز، إلى جانب الأعمدة التي صممت بتكوينات تيجان مبسطة، تُذكّر بتصاميم تيجان جامع قرطبة الكبير، دون تقليد حرفي إنما بشكل تجريدي مبسّط. أما في السقف فقد اعتمد التسقيف الجملوني ذا المقطع المثلث (الهرميّ) الزجاجي، لتوفير إنارة طبيعية وتصريف مياه الأمطار وتقليل الحاجة للأعمدة. كما استخدم الحجر في تلبيس الواجهات الداخلية للبهو والممرات، في مزجٍ متوافقٍ بين المواد الحديثة كالزجاج والمعدن، والحجر الذي يعد من المواد التقليدية الأساسية في العمارة التراثية في بلاد الشام.

أمّا الأقواس الطائرة والمعلّقة داخل المبنى، فهي مستحضرةٌ من أقواس جامع قرطبة، مع تعديل في نسبة الانحناء واستخدام التناوب اللوني بين الأصفر والأبيض في الحجر (بينما التناوب في جامع قرطبة بين الأصفر والأحمر)، كما أنها مشابهة من ناحية الانحناء والتصميم لتلك الموجودة في الواجهة الرئيسة في الخارج، ما يعطي انطباعًا بالتكامل والتوافق والاستمرارية في التصميم بين الداخل والخارج.

قاعة المدينة: الوصلُ بين جهتين
يشير الباحث ياسر صقر في ورقته «تحليل مبنى البلدية والفيلا والنفق في عمّان»، إلى أن أوائل التسعينيات شهدت نقاشًا غير مسبوق حول «هوية عمّان» في أعقاب التوسع الهائل للمدينة بعد عملية الدمج التي جرت في عهد عبد الرؤوف الروابدة الذي شغل منصب أمين عمان بين الأعوام 1983 و1986 ثم أمين عمان الكبرى بين 1987 و1989. ومع النصف الثاني من التسعينيات تبلور التفكير في تشكيل هوية عمان «المفقودة» وتصوّر ممدوح العبادي، أمين عمان 1993-1998، بأن الهوية المنشودة تقوم على عنصرين هما المهرجانات التي يقدمها الفنانون والشعراء والفرق المسرحية الشعبية العربية والمحلية، ومكانٌ عامٌ لاستضافة هذه الفعاليات يكون بمثابة «مركز عمّان الجديد»، وهي فكرة تكررت لاحقًا مع مشروع «العبدلي الجديد».

اختار العبّادي ساحةَ المدينة موقعًا لهذا المكان بحيث تقام فيه مؤسسات ثقافية مختلفة مثل متحف وطني ومركز ثقافي ومركز مؤتمرات بالإضافة إلى المباني الإدارية الجديدة لأمانة عمّان، وليقع المشروع في بداية مجرى سيل عمّان التاريخي (رأس العين) على أطراف عمّان القديمة، وهو موقع يمثّل رمزيًا انقسامًا بين غربيّ عمان وشرقيّها، أي بين نصفي المدينة الأغنى والأفقر، وقد اعتقد العبادي أن المساحة الثقافية المُنشأة ستكون بمثابة مركز وظيفيّ ورمزيّ يردم الفجوة بين نصفيْ المدينة.

عُهد عام 1995 بتصميم مبنى قاعة المدينة إلى المعماريين جعفر طوقان وراسم بدران، وأنجز عام 1997 ليخصّص للمعارض الفنية ومعارض تاريخ المدينة والتصوير الفوتوغرافي المتعلق بها، وليضم في الطوابق العليا مكتب أمين عمان وقاعة الاستقبال. وقد صُمم المبنى على هيئة مكعب مهيب يتوسط ساحة فسيحة، بتصميم متماثل الجانبين وفناء أسطواني مركزي يُذكّر بفيلا «لا روتوندا» لأندريا بالاديو التي تعدّ نموذجًا لعمارة عصر النهضة الإيطالية. ويُلاحظ أن الفناء مفتوح على بوابات في الاتجاهات الأربعة، لا سيما المحور بين الشرق والغرب، في دلالة رمزية على الوصل بين نصفي المدينة المتقابلين.
وعلى عادته، أدخل بدران في التصميم عناصر من العمارة الإسلامية للتأكيد على الهوية التاريخية والثقافية للمكان، مثل «المِزولة» (الساعة الشمسية)، التي تواجدت في الجوامع لمعرفة مواقيت الصلاة، وهي عنصر يؤكد أهمية الوقت في الثقافة والحضارة العربية الإسلامية.


مكتبة جامعة اليرموك: فتح الصندوق المغلق
في مدينة إربد صمم بدران «المكتبة الحسينية»؛ المكتبة المركزية في جامعة اليرموك التي اكتملت عام 2002، وعمل فيها على تحويل القالب التقليدي للمكتبة إلى نموذج تكتيليّ يحاكي النموذج الحضري التاريخي، كما صمّم الفناء المركزي الداخلي مستلهمًا ساحة ريجستان في سمرقند المحاطة بمدارس دينية والمتميّزة بوجود أربعة إيوانات.[1] ويُلاحظ أن الفناء المركزي ومداخله تؤدي إلى ممرات تتوزع حولها باقي الفضاءات، على نمط المدارس الإسلامية التاريخية كمدرسة السلطان حسن في القاهرة.

لقد حوّل بدران المكتبة من صندوق مغلق إلى فضاءات كتلية تشبه في نمطها المدينة الإسلامية. كما أحاط الكتلة المخصصة لحفظ الكتب بشريطٍ حدائقيّ داخليّ يفصل مستودع الكتب عن أماكن القراءة الموزعة في محيط المكتبة على هيئةٍ شبيهة بالوحدات السكنية في التجمعات العمرانية محاكيًا بذلك النمط العنقودي في المدينة القديمة المكونة من كتلٍ متراكبة ومتلاصقة.

إسكان موظفي الإسمنت: عمارة بسيطة وأنيقة
يعدّ إسكان موظفي شركة الإسمنت في الفحيص الذي أنجز عام 1983 واحدًا من أبرز تصميمات راسم بدران في الأردن، وفيه انخرط بدران بمشروع مخصص للطبقة العاملة وذوي الدخل المحدود، معتمدًا في تصميمه على نمط بناء عنقودي يضم مساكن موظفي وعمال مصنع الإسمنت. وخلافًا لالتزامه المعروف بالتراث والتقاليد وحرصه على استخدام الحجر باعتباره ممثلًا للمواد ما قبل الحديثة، استخدم بدران الإسمنت كمادة رئيسية ليكون هذا المشروع استثناءً عن سائر مشاريعه.

ظهر المشروع بلونه الأبيض وتكتّلاته المتراكبة أشبه بالبناء اليوناني الشهير الذي يعدّ نموذجًا لعمارة البحر الأبيض المتوسط بلونها الأبيض المتناغم مع زرقة البحر والسماء، فكان الإسكان بذلك نموذجًا فريدًا لهذه العمارة في الأردن. وكان أثر الطوبوغرافيا الجبلية والموقع المنحدر حاضرًا بوضوح في التصميم متمثلًا في المستويات المتدرّجة مع الحرص على توفير الإضاءة والإطلالات والشرفات لجميع الوحدات، علمًا بأن البُعد الطوبوغرافي عمومًا مهم في مشاريع بدران حيث يوظّفه في إثراء الفراغ العمراني عبر التصاميم والكتل المتدرجة مع مداخل وتوظيفات بصرية وضوئية لكل منسوب في التصميم.

موفنبيك البترا قلعةٌ نبطية
من أشهر أعمال بدران في الأردن تصميمه لفندق موفنبيك، الذي أنجز عام 1997 في وادي موسى قرب مدينة البترا، والمعروف باسم «القلعة النبطية». يطل الفندق المكون من سبعة طوابق على الوادي المتصدع حيث تقع البترا، وقد استثمر فيه بدران البعد الطوبوغرافي مستفيدًا من الانحدارات واختلاف المناسيب في توفير نوافذ وشرفات لها إطلالات فريدة.

أمّا في الداخل، فقد اعتمد بدران على فناء مركزي واسع تحيط به الممرات ومساحات الترفيه والمطاعم والجلسات والغرف، ما يعزز الاستفادة من الفضاءات الداخلية ويوفر إضاءة وتهوية داخلية. واستحضر -كالعادة- عناصر من العمارة الإسلامية لتعزيز التجربة البصرية داخل المبنى، فتُشاهد الأقواس ذات الانحناءات البسيطة التي صارت بصمة له في مشاريعه ، فضلًا عن المشربيات و«البحرة» في وسط الفناء. وبدلًا من الزجاج والمعدن اللذين يمثلان العمارة الحديثة، استخدم مواد حجرية وخشبية لتعزيز طابع الأصالة والدفء في الفضاء الداخلي.

فيلا حنضل: الحوار مع المكان
عاد راسم بدران من ألمانيا أوائل السبعينيات بأفكار الحداثة ومتأثرًا بمدرسة الـ«باوهاوس» بما في ذلك مبادئ تفريغ الكتل وتركيبها وتشكيلها. وقد بدأ مسيرته في عمّان بعدد من المشاريع السكنية، وصمّم لبعض العائلات فللًا لاقت شهرة كبيرة من بينها فيلا جورج حنضل التي أنجزت عام 1975 في ضاحية الرشيد، والتي تعتبر نموذجًا مميزًا للعمارة العمّانية أواسط السبعينيات.

جمع بدران هنا الحجر الذي يميز الطابع المعماري لعمّان مع تصميم حديث يدمج الفراغات الداخلية والخارجية متجاوزًا الأنماط التقليدية في التشكيل الفراغي والكتلي، كأنما يقيم حوارًا معماريًا مع خصائص المكان وموقعه خصوصًا ما يتعلق بالمداخل والتوجيه ومعالجة الانحدارات.

عمومًا، تميّز بدران بمنهجية التصميم ومعالجة الفراغات والكتل في المنازل الخاصة التي صممها بين خلال الفترة 1971 و1985، فبدلًا من اعتماد النمط التقليدي المعروف بـ«المنزل ثلاثي الأروقة» الذي كان شائعًا في عمّان وبلاد الشام خلال منتصف القرن العشرين، اتجه بدران نحو حلول معمارية أكثر ابتكارًا، فيستخدم في فيلا حنضل -مثلًا- محورًا مائلًا يقع عليه المدخل الرئيسي، كما يفصل المناطق الخاصة عن العامة من خلال فناء مفتوح، متعمدًا بذلك تجاوز أنماط البناء التقليدية (التايبولوجي) بما في ذلك المنازل ثلاثية الأروقة أو ذات الفناء المركزي. كما يظهر في هذا المشروع تركيزه الواضح على معالجة الإضاءة والمداخل والمخارج، والعلاقة بين الكتلة والفراغ، إضافة إلى المزج بين الزجاج والخرسانة، كما تتجلى جرأته الإنشائية في استخدام الأسقف المائلة.

محاكاة الجنان في فيلا التلهوني
من أشهر تصاميم المنازل التي أنجزها بدران في عمّان، فيلا خليل التلهوني، وقد عمل عليها مع والده المعماري جمال بدران الذي صمّم بدوره نوافير المياه المنحوتة في الحديقة. صمّم بدران الفيلا بتكوين مكعّبي بسيط، مع أسطح مغطاة اعتمد فيها على اقتباسات من الأساليب المعمارية الإسلامية التاريخية.

أمّا في الحديقة الفسيحة، فقد أدّت النوافير دورًا مهمًا، لم يكن جماليًّا فقط بل بيئيًا أيضًا، إذ تبرّد الهواء عبر فارق درجات الحرارة بين سطح الماء والحجر، خاصة في الأيام الحارة، وبهذا تسهم النوافير في تحريك الهواء وتجديده وفق الأساليب التقليدية في العمارة العربية الإسلامية، فضلًا عما يمنحه خرير الماء من بيئة صوتية تُحاكي بيئة الجنان والحدائق الغنّاء ما يعزّز الشعور بالراحة ويخفّف التوتر.
التحرّر من صرامة الشبكة في فيلا خوري
تعدّ فيلا عائلة خوري من أبرز تصميمات الفلل لبدران، وهو أول عمل سكني له في الأردن واكتمل بناؤه عام 1973 بعد عام على عودة بدران من ألمانيا. وكما في فلل حنضل والتلهوني، قدّم بدران في فيلا خوري تصورًا آخر للسكن، ففي الوقت الذي كانت فيه أغلب منازل الطبقات العليا آنذاك تركز على الاستعراض والإبهار البصري من الخارج عبر استخدام المواد الثمينة، دون الاعتناء براحة السكان التي رأى بدران أن تحقيقها ممكن عبر تطوير علاقة متكاملة بين الفراغات ببعضها، وبين المساحات الخاصة والأقل خصوصية، وكذلك بين الداخل والخارج، مع الاهتمام بالإضاءة الطبيعية والتهوية والإطلالات، وهو ما سعى له عمومًا في مختلف أعماله السكنية وغير السكنية.
يظهر توجه بدران هذا في فيلا خوري بوضوح، حيث تتميز بتواضع الحضور حتى بالكاد تُرى من الشارع، وقد بُنيت من الحجر الجيري المحلّي ما يجعله يمتزج بسلاسة مع محيطه. وللفيلا مدخل غير مباشر على شكل حرف (L)، وهو أسلوب وظّفه بدران باستمرار في تصاميمه السكنية لتوفير خصوصية للمدخل من الشارع، وإن كان في هذه الفيلا طوّر الشكل إلى مدخل قطري مائل يقود إلى قاعة مركزية صغيرة.
يُذكر أنه بالنظر إلى مخططات بدران، كما هو الحال في تصميم فيلا خوري مثلًا، يلاحظ أنها تكون غير منتظمة إنما تتحرّر من نظام التقسيم الشبكي (Grid) لصالح تصميمات حيوية وتكتلات متنوعة، وهو لا يصمم وفق الأنماط التقليدية كالفناء المركزي أو المنزل ثلاثي الردهات، بل يعتمد «النظام المضاد للشبكات» كما يسميه، وتتجلى براعته في هذا النظام عبر التهوية وعرض المناظر الطبيعية وفتح المداخل والباحات والحدائق على بعضها.

ختامًا، يمكن القول إن الطابع التصميمي لبدران يعكس تأثيرات حداثية اطّلع عليها خلال دراسته في الغرب، ثم طوّر نمطه الخاص المركب، لذا لا يمكن وصفه بالمعماري التقليدي كما لا يمكن وصف أعماله باعتبارها اقتباسات أو تكرارًا للعمارة الشرقية العربية الإسلامية التقليدية، ولا أدلّ على ذلك من النظر إلى مخططاته.
لقد أكّد بدران في مختلف تصاميمه أن مهمة المعماري هي محاورة المكان ومواصفاته وخصوصياته، ليرسّخ جذوره ويتفاعل مع بيئته ومحيطه. وهكذا امتازت أعماله بعناية شديدة بتفاصيل الإحساس الفراغي، وبمعالجة دقيقة للجماليات البصرية. كما أتقن الجمع بين المواد التقليدية، كالحجر والخشب إلى جانب الخرسانة والتكنولوجيا الحديثة، ليخلق بذلك نموذجه المعماري الخاص؛ متجذرًا في التراث ومتأثرًا -في الوقت نفسه- بعصر الحضارة ما بعد الصناعية.
المصدر: حبر